Bankawy

أفهم .. قارن .. أختار .. سهلنا عليـك المشوار

Advertisement

الخبير المصرفي هاني عادل يكتب: مصر على أعتاب جيل جديد من الخدمات المصرفية الرقمية

قواعد الهوية المالية الرقمية تفتح الباب أمام تحول مصرفي شامل.. والبنوك أمام اختبار الجاهزية

لم يكن اعتماد مجلس إدارة البنك المركزي المصري القواعد المنظمة لخدمات منظومة الهوية المالية الرقمية، للتعرف على عملاء البنوك والتحقق من هوياتهم إلكترونيًا (eKYC)، مجرد تحديث تنظيمي جديد، بل خطوة تأسيسية طال انتظارها نحو إطلاق جيل متكامل من الخدمات المصرفية الرقمية، يفتح آفاقًا أوسع أمام المجتمع المصري، ويعزز فرص وصول شرائح جديدة إلى القطاع المصرفي.

لكن إصدار القواعد لا يعني أن جميع هذه الخدمات أصبحت متاحة فورًا لدى كل البنوك؛ بل إنه يفتح الباب أمام مرحلة التنفيذ والتكامل الفني والتشغيلي، وهي المرحلة التي ستحدد مدى استعداد كل بنك للاستفادة من التحول الجديد، وسرعته في تقديم خدمات رقمية آمنة وسهلة لعملائه.

ومع دخول المنظومة حيز التشغيل واعتمادها من البنوك، سيبدأ تدريجيًا تراجع الحاجة إلى زيارة الفروع لفتح الحسابات أو تحديث البيانات، وسيتمكن المواطن المصري من الحصول على المنتجات والخدمات المصرفية عبر القنوات الرقمية، إلى جانب الموافقة الإلكترونية على الشروط والأحكام، واعتماد المصادقة الإلكترونية بديلًا للتوقيع اليدوي.

نحن إذن أمام تغيير حقيقي في العلاقة بين العميل والبنك؛ حيث لن يعود الفرع هو نقطة البداية الإلزامية للحصول على الخدمة المصرفية، ولن تبقى المستندات الورقية والتوقيعات المتكررة هي الوسيلة الوحيدة لإتمام الإجراءات.

عزيزي العميل، الموبايل لم يعد وسيلة للتواصل فقط؛ فقريبًا قد يصبح هاتفك المحمول بوابتك إلى هويتك المالية الرقمية، وأداة رئيسية للمصادقة على معاملاتك والوصول إلى حساباتك ومنتجاتك المالية.

وهذه النقلة، رغم ما تحمله من فرص عظيمة، تفرض مسؤولية أكبر على العملاء والبنوك معًا. فكلما توسعت الخدمات الرقمية، ازدادت أهمية حماية البيانات الشخصية، وتأمين الهاتف وشرائح الاتصال، وعدم مشاركة كلمات المرور أو رموز التحقق، والحذر من الروابط والرسائل والمكالمات الاحتيالية.

التحول الرقمي لا يحتاج فقط إلى أنظمة تكنولوجية متطورة، لكنه يحتاج أيضًا إلى عميل واعٍ يعرف كيف يستخدم هذه الأنظمة ويحمي نفسه من مخاطرها.

وتُمهد قواعد الهوية المالية الرقمية لإتاحة الخدمات المصرفية بصورة أوسع للمواطنين في القرى والنجوع والأقاليم، وتقليل أثر المسافة الجغرافية التي كانت تفصل بعض العملاء عن فروع البنوك. فالبنك الذي كان بعيدًا عشرات الكيلومترات قد يصبح قريبًا من العميل عبر شاشة هاتفه.

لكن الشمول المالي الحقيقي لن يتحقق بمجرد انتقال الإجراءات من الورق إلى الشاشة؛ بل يحتاج إلى بنية تكنولوجية قوية، واتصال جيد بالإنترنت، وتجربة استخدام بسيطة، وحملات متواصلة للتوعية والتثقيف المصرفي، مع توفير الدعم للفئات الأقل قدرة على التعامل مع التكنولوجيا.

المنظومة الجديدة ستدفع المنافسة بين البنوك إلى مستوى مختلف؛ فالمنافسة لن تعتمد فقط على عدد الفروع وانتشارها، وإنما ستنتقل بصورة أكبر إلى جودة التجربة الرقمية، وسرعة تقديم الخدمة، ومستوى الأمان، وسهولة الاستخدام، وقدرة كل بنك على ابتكار منتجات تلائم احتياجات عملائه.

ولن يتوقف الأثر المتوقع عند فتح الحسابات وتحديث البيانات؛ فالهوية المالية الرقمية يمكن أن تمثل قاعدة أساسية للتوسع مستقبلًا في منتجات الإقراض والتمويل الرقمي، بما يتيح فرصًا أكبر للأفراد وأصحاب المشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر للوصول إلى الخدمات المالية.

لكن يجب أن نكون واضحين: التعرف الإلكتروني على العميل لا يعني الحصول التلقائي على التمويل، ولا يلغي التقييم الائتماني أو الضوابط الرقابية وقواعد إدارة المخاطر، لكنه يزيل جزءًا مهمًا من التعقيدات التي كانت تعوق الوصول إلى الخدمة، ويفتح الطريق أمام تطوير آليات أسرع وأكثر كفاءة لدراسة طلبات التمويل.

وهنا تطرح المرحلة الجديدة مجموعة من الأسئلة المهمة:

كم بنكًا استعد تقنيًا وتشغيليًا لمواكبة هذا التحول؟

وكم بنكًا يمتلك بالفعل بنية قوية للأمن السيبراني وحماية بيانات العملاء؟

وكم بنكًا رقميًا سيبدأ أعماله في السوق المصرية خلال السنوات الخمس المقبلة؟

وهل لدينا من حملات التوعية والتثقيف المصرفي ما يكفي لإعداد المواطن لهذا العالم الجديد وحمايته من مخاطره؟

نحن على أعتاب عالم مصرفي جديد رقمي بامتياز، يحمل معه الكثير من الفرص والكثير من التحديات. وقد أطلق البنك المركزي المصري بإصدار هذه القواعد إشارة بدء مرحلة جديدة، لكن نجاحها سيتوقف على جاهزية البنوك، وكفاءة التنفيذ، ووعي العملاء.

استعدوا.. فالعلاقة بين المواطن والبنك على وشك أن تتغير بصورة جذرية.