Bankawy

أفهم .. قارن .. أختار .. سهلنا عليـك المشوار

Advertisement

الخبير المصرفي د/ احمد نعماني يكتب : مستقبل الصناعة المصرفية في ظل التحول الرقمي

يشهد قطاع الصناعة المصرفية في مصر والعالم تسارعًا غير مسبوق في وتيرة التحول الرقمي، ليكون منطلقًا رئيسيًا لإعادة تشكيل نموذج العمل المصرفي، وتعزيز الشمول المالي، وتحسين التجربة العملاء، إلى جانب زيادة الكفاءة وتقليل التكاليف التشغيلية. التحول الرقمي لم يعد خيارًا ترفيهيًا أو تطويريًا فحسب، بل أصبح ضرورة استراتيجية تتطلبها المنافسة المتصاعدة، التغيرات في سلوك العملاء، وتشريعات تنظيمية جديدة، فضلًا عن متطلبات الأمن السيبراني واستدامة النمو.

البنك المركزي المصري: محرك استراتيجي للتحول الرقمي

يعتبر البنك المركزي المصري (CBE) المبادر والمحرك الرئيسي لعملية التحول الرقمي في القطاع المصرفي، من خلال اعتماد استراتيجيات واضحة لدعم التطوير المالي والتكنولوجي. 

منذ إطلاق استراتيجية التكنولوجيا المالية المتكاملة في مارس 2019، عمل البنك المركزي على تهيئة بيئة تنظيميّة مشجعة للابتكار في الخدمات المالية الرقمية، وتشجيع دخول شركات التكنولوجيا المالية (FinTech)، وتبني حلول دفع متقدمة ومحفزات للاستثمار في التكنولوجيا المصرفية. 

كما أدخل البنك مبادرات تعليمية ومنافسات تسهم في بناء مهارات العاملين والشركات الناشئة في المجال الرقمي، مثل إطلاق أول أكاديمية رقمية تحت مظلة مبادرات “فينتك إيجيبت”. 

الشمول المالي ونتائج التحول

تؤكد البيانات الرسمية للبنك المركزي أن التحول الرقمي يعتبر ركيزة أساسية في تعزيز الشمول المالي في مصر. ففي يونيو 2025 بلغ معدل الشمول المالي نحو 76.3%، ارتفاعًا من حوالي 27.4% عام 2016، وهو مؤشر قوي على نجاح السياسات الرقمية في دمج شرائح أكبر من المواطنين في النظام المالي الرسمي. 

ويعكس هذا النمو المتسارع ارتفاع عدد الحسابات النشطة والمحافظ الرقمية إلى نحو 53.8 مليون مستخدم، ما يدل على زيادة اعتماد الجمهور على الخدمات الرقمية المصرفية. 

منظومة الدفع الرقمي: بنية تحتية للنمو

في 2022 أطلق البنك المركزي المصري نظام “شبكة الدفع الفوري” (Instant Payment Network) الذي يمكّن التحويلات الفورية بين حسابات العملاء عبر قنوات متعددة وعلى مدار الساعة، وهو ما ساهم في تيسير حركة الأموال وتحسين تجربة التحويلات الرقمية. 

كما عمل البنك المركزي، بالتنسيق مع شركات التكنولوجيا والجهات المعنية، على بنية تحتية للدفع الإلكتروني، تشمل بطاقات Meeza والتحويلات الفورية عبر تطبيقات InstaPay، ضمن جهود لتحقيق المدفوعات الرقمية الشاملة. 

نموذج العمل المصرفي يتغير

التحول الرقمي أثر بشكل واضح على شكل الخدمات البنكية وطبيعتها:
• القنوات الرقمية أصبحت القناة الأولى لتقديم الخدمات البنكية، متفوقة على الفروع التقليدية في المعاملات اليومية.
• الفروع الذكية تتحول إلى مراكز لتقديم الاستشارات والحلول المالية المعقّدة، بدلاً من مجرد تنفيذ المعاملات.
• نماذج تقنية مثل Open Banking وBanking-as-a-Service وغيرها تشجع التكامل بين البنوك ومزودي الخدمات الرقمية لتوسيع نطاق الوصول وتحسين الكفاءة.

التحول الرقمي والتنافس

شهدت السنوات الأخيرة صعودًا كبيرًا لشركات التكنولوجيا المالية (FinTech)، مما زاد من المنافسة على البنوك التقليدية. وهذا دفع البنوك لإعادة التفكير في استراتيجياتها التشغيلية، والاستثمار في المنصات الرقمية، والشراكات التقنية، وتبني نماذج مبتكرة لتقديم الخدمات.

وفي المشهد المحلي، حصلت شركات مثل شركة مصر للابتكار الرقمي على ترخيص رسمي لإنشاء أول بنك رقمي متكامل في مصر (OneBank)، يعكس التزام البنك المركزي بتوسيع نطاق الخدمات الرقمية وتشجيع الابتكار في النظام المصرفي. 

مخاطر التحول الرقمي

على الرغم من الفرص الكبيرة، فإن التحول الرقمي يتطلب التعامل مع مخاطر ملموسة، أبرزها:
• الأمن السيبراني وحماية بيانات العملاء
• الخصوصية والامتثال التنظيمي
• التحديات التقنية وإدارة الأنظمة المعقدة

ولهذا يدعم البنك المركزي مبادرات لتعزيز الأمن الرقمي، وتحفيز تطبيق أفضل الممارسات في قطاع الدفع وتحليل البيانات، بما يساهم في زيادة الثقة الرقمية لدى الجمهور. 

مستقبل العمل المصرفي

من المتوقع أن يشهد القطاع تحولاً في أدوار العاملين، مع تزايد الطلب على مهارات تحليل البيانات، وتصميم تجربة العملاء، وأمن المعلومات، مقارنة بالوظائف التقليدية التي كانت تعتمد على المعاملات الورقية وروتين الإجراءات.

هذا التوجه يتماشى مع الاستراتيجية التي وضعها البنك المركزي لدعم الابتكار والتأهيل المهني في مجال التكنولوجيا المالية، من خلال برامج تدريبية ومسابقات تشجع على تطوير مهارات الكفاءات المحلية. 

خاتمة

تؤكد السياسات والأرقام الرسمية أن مستقبل الصناعة المصرفية في مصر يتجه نحو رقمنة كلية، حيث يصبح البنك مؤسسة أكثر مرونة وكفاءة وأقرب إلى العميل، مع اعتماد متزايد على التكنولوجيا والبيانات. ويظل البنك المركزي المصري في قلب هذه العملية كمنظم وداعم ومحفز للتطوير، لضمان نظام مالي متين، مستدام، وشامل يلبي .احتياجات الاقتصاد والمجتمع في عصر رقمي سريع التغير