دراسة في ضوء قانون البنك المركزي والجهاز المصرفي وقانون مكافحة غسل الأموال
وسام الصنفاوي – مشرف قانوني بأحد البنوك – يكتب :
المعاملات المصرفية وتوفر الحماية القانونية للبيانات والحسابات والودائع والمعاملات التي يطلع عليها البنك بحكم علاقته بالعميل ، إلا أن السرية المصرفية رغم أهميتها ليست حقًا مطلقًا وإنما هي أصل قانوني ترد عليه استثناءات حددها المشرع تحقيقًا للتوازن بين حماية خصوصية العميل من ناحية وتمكين الجهات المختصة من مباشرة اختصاصاتها وكشف الجرائم وتتبع الأموال غير المشروعة من ناحية أخرى.
وتزداد أهمية هذا التوازن في ظل الجرائم المالية وعلى رأسها جرائم غسل الأموال وتمويل الإرهاب حيث لا يجوز أن تتحول السرية المصرفية إلى وسيلة لإخفاء الأموال غير المشروعة كما لا يجوز أن يتحول مجرد الاشتباه إلى مبرر للإفصاح غير المنضبط عن بيانات العملاء.
أولًا الأصل العام سرية بيانات العملاء
أفرد المشرع المصري في قانون البنك المركزي والجهاز المصرفي الصادر بالقانون رقم 194 لسنة 2020 فصلًا خاصًا لسرية الحسابات وذلك في المواد من 140 إلى 143 ،وقد نصت المادة 140 على أن تكون جميع بيانات العملاء وحساباتهم وودائعهم وأماناتهم وخزائنهم في البنوك وكذلك المعاملات المتعلقة بها سرية ولا يجوز الاطلاع عليها أو إعطاء بيانات عنها بطريق مباشر أو غير مباشر إلا بإذن كتابي من صاحب الحساب أو الوديعة أو الأمانة أو الخزينة أو من أحد ورثته أو من أحد الموصى لهم بكل هذه الأموال أو بعضها أو من نائبه القانوني أو وكيله أو بناء على حكم قضائي أو حكم تحكيم .
وتكشف هذه المادة عن اتساع نطاق الحماية فالسرية لا تقتصر على رصيد الحساب وإنما تشمل جميع بيانات العميل وحساباته وودائعه وأماناته وخزائنه والمعاملات المتعلقة بها كما قررت المادة استمرار الحظر حتى بعد انتهاء العلاقة بين العميل والبنك لأي سبب من الأسباب بما يؤكد أن محل الحماية هو المعلومة المصرفية ذاتها.
ثانيًا هل السرية المصرفية مطلقة
الإجابة لا ، فالسرية المصرفية هي الأصل لكنها ليست حصانة مطلقة تحول دون تطبيق القانون ، وقد حدد المشرع حالات يجوز فيها الاطلاع على البيانات المصرفية ومن بينها وجود إذن كتابي من صاحب الشأن أو حكم قضائي أو حكم تحكيم فضلًا عن الحالات والاستثناءات التي نص عليها قانون البنك المركزي والتشريعات الأخرى ذات الصلة ، ومن ثم فإن مجرد طلب البيانات المصرفية لا يكفي بذاته لجواز الإفصاح عنها وإنما يجب أن يتوافر السند القانوني الصحيح وأن يتم الإفصاح في الحدود والإجراءات التي رسمها القانون.
وهنا تبرز قاعدة أساسية ليس كل إفصاح عن بيانات العميل مخالفًا للسرية كما أن ليس كل طلب للحصول على تلك البيانات يبيح للبنك الإفصاح عنها.
ثالثًا الكشف عن سرية الحسابات في المجال الجنائي
نظمت المادة 141 من قانون البنك المركزي والجهاز المصرفي حالة الكشف عن البيانات المصرفية إذا اقتضى كشف الحقيقة في جناية أو جنحة قامت الدلائل الجدية على وقوعها ، فنصت في صدرها على أنه إذا اقتضى كشف الحقيقة في جناية أو جنحة قامت الدلائل الجدية على وقوعها يجوز للنائب العام أو من يفوضه من المحامين العامين الأول على الأقل من تلقاء نفسه أو بناء على طلب جهة رسمية أو أحد من ذوي الشأن أن يطلب من محكمة استئناف القاهرة الأمر بالاطلاع أو الحصول على أي بيانات أو معلومات تتعلق بالحسابات أو الودائع أو الأمانات أو الخزائن المنصوص عليها في المادة 140 من هذا القانون أو المعاملات المتعلقة بها.
ويظهر من ذلك أن المشرع لم يترك مسألة كشف الحسابات المصرفية في المجال الجنائي لإرادة البنك أو الجهة الطالبة وحدها وإنما وضع إطارًا إجرائيًا محددًا للحصول على تلك البيانات.
وتكتسب المادة أهمية خاصة في جرائم غسل الأموال وتمويل الإرهاب حيث قررت أحكام خاصة بشأن الاطلاع على البيانات المصرفية في تلك الجرائم.
رابعًا من يقع عليه الالتزام بالسرية
لم يجعل المشرع الالتزام بالسرية مقتصرًا على البنك كشخص اعتباري وإنما امتد إلى كل من يطلع على المعلومات المصرفية بحكم مهنته أو وظيفته أو عمله ، فنصت المادة 142 على انه يحظر على كل من يتلقى أو يطلع بحكم مهنته أو وظيفته أو عمله بطريق مباشر أو غير مباشر على معلومات أو بيانات عن العملاء أو حساباتهم أو ودائعهم أو الأمانات أو الخزائن الخاصة بهم أو معاملاتهم إفشاؤها أو تمكين الغير من الاطلاع عليها وذلك في غير الحالات المرخص بها بمقتضى أحكام هذا القانون ويستمر هذا الحظر بعد تركهم للعمل.
وبذلك يمتد الالتزام إلى كل من تصل إليه البيانات المصرفية بسبب وظيفته أو مهنته كما يستمر هذا الالتزام حتى بعد ترك العمل
خامسًا الاستثناءات الواردة على السرية المصرفية
جاءت المادة 143 لتقرر أن أحكام المادتين 140 و142 لا تخل بعدد من الحالات ومن بينها:
* الواجبات المنوطة قانونًا بمراقبي حسابات البنوك
* الاختصاصات المخولة قانونًا للبنك المركزي
* التزام البنك بإصدار بيان بأسباب رفض صرف الشيك أو أمر الخصم المباشر في الحالات التي حددها القانون
* حق البنك المركزي في الدفاع عن نفسه في المنازعات القضائية أو التحكيمية أو إبلاغ النيابة العامة بمناسبة مباشرته لاختصاصاته
* اطلاع مقدمي خدمات التعهيد على بيانات العملاء اللازمة لمباشرة الخدمات الموكلة إليهم
* قيام العاملين بالبنوك ومشغلي نظم الدفع ومقدمي خدمات الدفع بإبلاغ البنك المركزي عن المخالفات التي تتكشف لهم وفقًا للقواعد التي يحددها مجلس الإدارة
وهذه الاستثناءات لا تعني إهدار السرية وإنما تمثل حالات إفصاح أجازها القانون ولغايات محددة
سادسًا السرية المصرفية ومكافحة غسل الأموال
لا يمكن دراسة السرية المصرفية بمعزل عن قانون مكافحة غسل الأموال رقم 80 لسنة 2002 وتعديلاته ، فقد عرّف المشرع المصري جريمة غسل الأموال واعتبر من صورها التعامل عمدًا مع الأموال المتحصلة من جريمة أصلية بقصد إخفاء أو تمويه طبيعتها أو مصدرها أو مكانها أو كيفية التصرف فيها أو حركتها أو ملكيتها أو الحقوق المتعلقة بها ، كما شملت صور غسل الأموال اكتساب المتحصلات أو حيازتها أو استخدامها أو إدارتها أو حفظها أو استبدالها أو إيداعها أو ضمانها أو استثمارها أو التلاعب في قيمتها.
ومن هنا تظهر أهمية الحسابات المصرفية في منظومة مكافحة غسل الأموال فقد تكون بعض الحسابات أو العمليات المصرفية محل استخدام في نقل أو إخفاء أو تمويه الأموال المتحصلة من جرائم
سابعًا هل مجرد الاشتباه في غسل الأموال يهدم السرية المصرفية
الإجابة لا ، فوجود عملية غير معتادة أو حركة مالية لا تتناسب مع طبيعة نشاط العميل لا يعني بذاته ثبوت ارتكاب جريمة غسل أموال ، وإنما قد يمثل ذلك مؤشرًا يستدعي الفحص والتحقق واتخاذ الإجراءات القانونية والرقابية المقررة.
وهنا يجب التمييز بين الاشتباه المصرفي ، وبين ثبوت جريمة غسل الأموال ، فالبنك ليس جهة حكم على العميل وإنما يلتزم بواجباته القانونية والرقابية في التعرف على العميل والعناية الواجبة ومراقبة العمليات والإبلاغ عن العمليات محل الاشتباه وفقًا للقانون والقواعد المنظمة
ثامنًا التزام المؤسسات المالية بالإبلاغ عن العمليات المشتبه فيها
أوجب قانون مكافحة غسل الأموال على المؤسسات المالية مجموعة من الالتزامات الوقائية والرقابية ، ومن أهمها الإخطار عن العمليات التي يُشتبه في أنها تشكل متحصلات أو تتضمن غسل الأموال أو تمويل الإرهاب أو محاولات القيام بهذه العمليات وفقًا للضوابط والإجراءات التي حددها القانون.
كما تلتزم المؤسسات المالية بوضع النظم الكفيلة بتطبيق إجراءات العناية الواجبة بالعملاء وغيرها من القواعد والإجراءات المتعلقة بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب ، وهنا يظهر بوضوح أن البنك لا يكتفي بحماية سرية العميل وإنما يلتزم كذلك بواجبات قانونية تهدف إلى حماية النظام المالي من استغلاله في ارتكاب الجرائم المالية
تاسعًا الاحتفاظ بالسجلات والبيانات
لم يقف المشرع عند حد الإبلاغ عن العمليات محل الاشتباه وإنما ألزم المؤسسات المالية بالاحتفاظ بالسجلات والمستندات والبيانات المتعلقة بالعمليات والعملاء والمستفيدين الحقيقيين للمدة التي حددها القانون ، ويحقق ذلك إمكانية تتبع العمليات المالية والتحقق من مسارات الأموال عند الحاجة مع وضع البيانات تحت تصرف السلطات المختصة وفقًا للقانون.
وهذا الالتزام لا يعني إتاحة البيانات للكافة وإنما الاحتفاظ بها بحيث يمكن تقديمها للجهات صاحبة الاختصاص في الحدود التي يسمح بها القانون.
عاشرًا الجزاء الجنائي على إفشاء السرية المصرفية
لم يكتف المشرع بإقرار مبدأ السرية المصرفية وإنما أحاطه بحماية جنائية مباشرة ، فنصت المادة 231 من قانون البنك المركزي والجهاز المصرفي رقم 194 لسنة 2020 على ، يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن سنة وبغرامة لا تقل عن مائتي ألف جنيه ولا تجاوز خمسمائة ألف جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من خالف أياً من أحكام المادتين 140 و142 من هذا القانون وتتعدد الغرامات بتعدد المجني عليهم ، وبالتالي فإن مخالفة السرية المصرفية قد يترتب عليها الحبس مدة لا تقل عن سنة و غرامة من 200 ألف إلى 500 ألف جنيه ، أو إحدى هاتين العقوبتين ، وتتعدد الغرامات بتعدد المجني عليهم.
كما نصت المادة 232 على ، مع عدم الإخلال بحكم المادة 231 من هذا القانون يعاقب بالحبس مدة لا تجاوز سنتين وبغرامة لا تقل عن خمسين ألف جنيه ولا تجاوز مائة ألف جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من أفشى من العاملين المكلفين بتنفيذ أحكام هذا القانون أو من العاملين بالجهات المرخص لها أي معلومات تتعلق بشئون الجهات التي يعملون بها أو أي معلومات حصلوا عليها بسبب وظيفتهم وتتعدد الغرامات بتعدد المجني عليهم ، وبذلك يقرر القانون حماية جنائية للمعلومات التي يتم الحصول عليها بسبب الوظيفة مع اختلاف نطاق كل نص بحسب الواقعة والصفة التي يتمتع بها مرتكب الإفشاء.
حادي عشر الجزاءات في جرائم غسل الأموال
لم يقتصر المشرع على تجريم غسل الأموال وإنما قرر له عقوبات جنائية ومصادرة للأموال محل الجريمة ، فقد قرر قانون مكافحة غسل الأموال عقوبة السجن والغرامة التي ترتبط بقيمة الأموال محل الجريمة فضلًا عن الحكم بالمصادرة في الأحوال التي حددها القانون.
وتكمن أهمية المصادرة في أنها تستهدف تجريد الجريمة من عائداتها المالية فلا تقتصر المواجهة القانونية على معاقبة مرتكب الجريمة وإنما تمتد إلى حرمانه من الأموال المتحصلة منها
ثاني عشر الفرق بين الإفصاح المشروع والإفصاح غير المشروع
من أهم المسائل العملية التي تواجه البنوك تحديد متى يكون الإفصاح عن بيانات العميل مشروعًا ومتى يكون مخالفًا للقانون ، والإجابة لا تتوقف على صفة الجهة طالبة البيانات وحدها وإنما يجب النظر إلى وجود :
سند قانوني للإفصاح
اختصاص الجهة طالبة البيانات
استيفاء الإجراءات التي حددها القانون
تحديد البيانات المطلوب الإفصاح عنها
عدم تجاوز نطاق الإفصاح للغرض الذي أجازه القانون
وعليه فإن الإفصاح المشروع هو إفصاح مقيد بالسبب والجهة والإجراء والنطاق ، أما الإفصاح الذي يتم دون سند قانوني أو يتجاوز حدود الإذن أو الطلب المشروع فقد يرتب المسؤولية القانونية.
ثالث عشر التوازن بين حماية العميل وحماية النظام المصرفي
إن التحدي الحقيقي أمام المؤسسات المصرفية لا يتمثل في الاختيار بين السرية المصرفية ومكافحة غسل الأموال وإنما في تحقيق التوازن بينهما ، فمن ناحية يجب حماية بيانات العميل وعدم إفشائها دون سند ، ومن ناحية أخرى يجب تمكين الجهات المختصة من الوصول إلى المعلومات التي أجاز القانون الكشف عنها كما يجب على المؤسسات المالية القيام بواجباتها في مجال مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
ومن هنا فإن السرية المصرفية لا ينبغي أن تتحول إلى وسيلة لتعطيل تطبيق القانون كما لا ينبغي أن تتحول متطلبات مكافحة غسل الأموال إلى مبرر للإفصاح العشوائي عن بيانات العملاء
خاتمة
إن السرية المصرفية ليست حصانة مطلقة كما أن مكافحة غسل الأموال ليست ترخيصًا مفتوحًا للإفصاح عن بيانات العملاء ، فالقاعدة هي ، السرية أصل والإفصاح استثناء.
والاستثناء لا يكون مشروعًا إلا إذا استند إلى سند قانوني صحيح وصدر عن جهة مختصة واستوفى الإجراءات المقررة وكان في الحدود اللازمة لتحقيق الغرض الذي أجازه القانون.
وفي المقابل فإن وجود مؤشرات أو شبهات بشأن عمليات مالية لا يعني بذاته ثبوت جريمة غسل الأموال وإنما يستوجب التعامل معها وفقًا لمنظومة العناية الواجبة والفحص والإبلاغ التي أوجبها القانون ، ومن ثم يمكن اختصار المعادلة المصرفية في قاعدة واحدة ، السرية تحمي العميل من الإفصاح غير المشروع لكنها لا تحمي الأموال غير المشروعة من التتبع القانوني.
فحماية السرية المصرفية تعني حماية الثقة في الجهاز المصرفي ومكافحة غسل الأموال تعني حماية الجهاز المصرفي ذاته من أن يتحول إلى وسيلة لإخفاء عائدات الجريمة ، وبالتالي فإن المعادلة الصحيحة ليست ، سرية أم إفصاح ، وإنما ، سرية منضبطة بالقانون وإفصاح منضبط بالقانون
إخلاء مسؤولية: الآراء والتفسيرات والتحليلات والتوقعات الواردة في جميع المقالات المنشورة على «بنكاوى» تعبّر عن وجهة نظر كتابها وحدهم، ويتحمل الكاتب مسؤولية صحة ما يورده من معلومات ووقائع واقتباسات ومصادر ونِسب وآراء وادعاءات، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي أو سياسات أو توجهات موقع «بنكاوى» أو إدارته أو العاملين به. ويُنشر المقال لأغراض معرفية وتثقيفية عامة، ولا يمثل توصية أو عرضًا أو دعوة لاتخاذ أي قرار استثماري أو مالي أو مصرفي أو قانوني أو ضريبي أو تجاري، ولا يُغني عن الرجوع إلى الجهات الرسمية أو الاستعانة بالمختصين. وقد تتغير المعلومات والبيانات الواردة بعد تاريخ النشر، لذلك يتعين على القارئ التحقق منها بصورة مستقلة قبل الاعتماد عليها، ويتحمل مسؤولية القرارات التي يتخذها استنادًا إليها والنتائج المترتبة عليها. كما يحتفظ «بنكاوى» بحقه في مراجعة المقال أو تصحيحه أو تحديثه أو حذفه متى تبين وجود خطأ أو مخالفة أو مساس بحقوق الغير.




























