Bankawy

أفهم .. قارن .. أختار .. سهلنا عليـك المشوار

Advertisement

الجنيه الذي خانه التاريخ: كيف كان سيبدو سعر صرف الدولار اليوم لو لم تحدث ثورة 25 يناير؟

محاكاة اقتصادية تستكشف السؤال الشائك: هل صنعت أحداث 2011 أزمتنا النقدية أم عجّلت بانفجار اختلالات قائمة؟

حسابات القوة الشرائية تضع الدولار قرب 20 جنيهًا في سيناريو مشروط.. والسياسات والصدمات الخارجية تحسم المسار الفعلي

كيف عطّلت الاضطرابات تجربة نمو واعدة، واستنزفت الاحتياطيات، وزادت صعوبة إدارة سعر الصرف؟

استثمارات أجنبية بلغت ذروتها عند 13.2 مليار دولار قبل الأزمة العالمية.. ثم تراجعت التدفقات بشدة بعد يناير

ماذا لو لم تقع ثورة الخامس والعشرين من يناير 2011؟ هل كان الدولار سيظل قريبًا من ستة جنيهات، أم أن الاقتصاد المصري كان يحمل بالفعل ضغوطًا ستدفع العملة إلى التراجع، حتى مع استمرار الاستقرار السياسي؟

يتيح هذا السؤال استكشاف تاريخ اقتصادي بديل، لكنه لا يسمح بالجزم بسعر واحد للدولار. فغياب الاضطرابات المرتبطة بأحداث يناير كان يمكن أن يحافظ على جانب أكبر من موارد النقد الأجنبي، ويمنح صانع السياسة مساحة أوسع للتكيف. أما تحويل هذه المساحة إلى استقرار مستدام فكان سيتوقف على إدارة التضخم والموازنة والاستثمار والإنتاج والصادرات.

وتشير محاكاة مبسطة لفوارق التضخم إلى إمكانية وصول الدولار إلى نطاق يقارب 18–22 جنيهًا خلال 2026، وفق افتراضات محددة. غير أن هذا النطاق ليس سعرًا مضمونًا أو تقديرًا رسميًا، ولا يمثل الفارق بينه وبين السعر الفعلي مقياسًا مباشرًا لتكلفة الثورة.

وللمقارنة المؤرخة، أظهرت بيانات البنك المركزي سعرًا للدولار بلغ 55.24 جنيه للشراء و55.38 جنيه للبيع في 22 أكتوبر 2026.

قبل يناير: اقتصاد ينمو ومصدات تمنح مساحة للمناورة

دخلت مصر عام 2011 بعد سنوات شهدت نموًا اقتصاديًا وتدفقات استثمارية وإصلاحات مالية ومصرفية. وبلغ النمو نحو 5.1% في 2009/2010، بعد تراجعه إلى 4.7% في العام السابق بتأثير الأزمة المالية العالمية، مقارنة بمعدلات قاربت 7% قبل الأزمة.

وكان الاحتياطي النقدي الأجنبي يقارب 36 مليار دولار قبيل الثورة، ما منح البنك المركزي قدرة معتبرة على مواجهة تقلبات التدفقات وتمويل الاحتياجات الخارجية.

لكن صورة الاستثمار تحتاج إلى تمييز السنوات: فقد بلغ صافي الاستثمار الأجنبي المباشر ذروته عند 13.2 مليار دولار في 2007/2008، ثم تراجع إلى 8.1 مليار في 2008/2009، و6.8 مليار في 2009/2010، قبل أن ينخفض إلى 2.2 مليار في 2010/2011. ولذلك لا يصح اعتبار 13 مليار دولار تدفقًا سنويًا ثابتًا حُرمت منه مصر بالكامل بعد يناير؛ فالتراجع كان قد بدأ بالفعل قبل الثورة.

كانت هناك، إذن، تجربة نمو تحمل فرصًا حقيقية، لكنها لم تكن بمنأى عن الصدمات أو خالية من الاختلالات.

ضغوط سبقت الثورة: لماذا لم يكن الدولار عند ستة جنيهات ضمانًا دائمًا؟

قبل يناير، كانت مصر تواجه عجزًا ماليًا واحتياجات كبيرة لتمويل الدين العام، إلى جانب تضخم أعلى من مستويات شركائها التجاريين. كما كانت إصلاحات ضريبية وإصلاحات دعم الطاقة قد تأجلت، ودعا صندوق النقد إلى مرونة أكبر لسعر الصرف ورفع الإنتاجية وتقليل مخاطر ارتفاع القيمة الحقيقية للجنيه.

وهذه العوامل تعني أن استمرار الاستقرار السياسي لم يكن سيضمن بقاء الدولار عند 5.80 جنيه إلى أجل غير محدد. فإذا ارتفعت الأسعار المحلية أسرع من الخارج، دون تحسن موازٍ في الإنتاجية، تتزايد الضغوط على تنافسية الاقتصاد وقدرته على الحفاظ على سعر صرف شبه ثابت.

وفي المقابل، لا تعني هذه الضغوط أن انخفاضًا حادًا أو تعويمًا في موعد معين كان أمرًا محتومًا؛ فالتدفقات الاستثمارية والإنتاجية والسياسات النقدية والمالية كانت قادرة على تغيير التوقيت والحجم.

ما الذي غيّرته أحداث 2011 بالفعل؟

تقدم البيانات دليلًا واضحًا على الصدمة الاقتصادية المبكرة. فقد ربط تقرير صندوق النقد عن مشاورات 2014 بين الاضطراب السياسي وخروج رؤوس الأموال وتراجع الاستثمار والسياحة، مشيرًا أيضًا إلى دور تأخر الإصلاحات واستجابة السياسات في اتساع العجز.

ووفق تعريف الاحتياطي المستخدم في التقرير، انخفض الرصيد من نحو 35 مليار دولار بنهاية 2010، يغطي 6.8 أشهر من الواردات، إلى 14.5 مليار دولار في يونيو 2013. وجاء ذلك مع خروج الأموال وضعف الاستثمار واتساع عجز الحساب الجاري، واستمرار البنك المركزي في توفير النقد الأجنبي لتثبيت سعر الصرف.

كان استنزاف هذه المصدات تطورًا مؤثرًا؛ فقد قلّص مساحة المناورة وزاد صعوبة مواجهة الاحتياجات الدولارية. لكن أثر الاضطراب تفاعل مع قرارات اقتصادية لاحقة، ولم يتحول تلقائيًا إلى مسار وحيد لا بديل عنه.

كيف تنتج المحاكاة دولارًا قرب 20 جنيهًا؟

تبدأ المحاكاة من سعر افتراضي يقارب 5.80 جنيه للدولار قبيل يناير، وتستخدم تعادل القوة الشرائية النسبي بوصفه مرجعًا حسابيًا طويل الأجل.

وتفترض ثبات السعر الحقيقي الثنائي تقريبًا، مع اختلاف معدلات التضخم في مصر والولايات المتحدة، على مدى 16 عامًا:

متوسط التضخم السنوي المفترض في مصرالمتوسط المفترض في الولايات المتحدةالسعر الحسابي التقريبي في 2026
9.5%2%18 جنيهًا
10%2%19.4 جنيه
11%2%22.4 جنيه

هذه النتائج حسابات توضيحية وليست تنبؤات مقدّرة إحصائيًا. وهي لا تفترض تخفيضًا سنويًا لسعر الجنيه بنسبة 4–6%؛ فذلك المعدل وحده كان سينتج سعرًا أدنى من النطاق المذكور.

كما لا تمثل هذه المتوسطات وصفًا لما كان سيحدث فعلًا للتضخم في غياب الثورة. ولو نجحت السياسات في خفضه بدرجة أكبر، فقد ينتج سعر أقل؛ ولو تراكمت اختلالات التمويل أو تدهورت القدرة الإنتاجية، فقد ينتج سعر أعلى.

وتظل الإنتاجية والتدفقات الرأسمالية وشروط التجارة وتغير السعر الحقيقي التوازني عوامل قد تُبعد السعر الفعلي عن الحساب المبسط للقوة الشرائية.

ثلاثة مسارات ممكنة للاقتصاد البديل

كان المسار الأكثر ملاءمة للجنيه يتطلب الجمع بين استقرار سياسي وإصلاح مالي وتحسن إنتاجي وتدفقات استثمارية مستدامة. وفي هذه الحالة، كان يمكن أن تجري تعديلات الصرف بصورة أقل اضطرابًا.

أما استمرار النموذج الاقتصادي القديم دون معالجة كافية للتضخم والعجز، فكان قد يؤدي إلى فترات تثبيت تتخللها تخفيضات، وربما تحركات كبيرة عند اشتداد الضغوط.

وفي مسار ثالث، كان تأجيل الإصلاحات والدفاع المطول عن سعر غير مستدام قد يعيدان إنتاج أزمة نقد أجنبي، حتى مع غياب أحداث يناير.

ومن ثم، فإن الاختيار بين هذه المسارات لا تحسمه فرضية «لا ثورة» وحدها؛ بل تحسمه أيضًا القرارات التي كان يمكن اتخاذها خلال السنوات التالية.

الصدمات العالمية كانت ستظل اختبارًا صعبًا

لم يكن الاستقرار السياسي المفترض سيحجب عن مصر جائحة كورونا، أو الحرب الروسية الأوكرانية، أو ارتفاع تكلفة التمويل العالمي، أو اضطرابات الملاحة في البحر الأحمر.

وقدّر صندوق النقد انخفاض تدفقات النقد الأجنبي من قناة السويس بنحو 6 مليارات دولار في 2024 مقارنة بعام 2023 نتيجة اضطرابات البحر الأحمر؛ وهو مثال على ضغط خارجي لا يختفي بمجرد تغيير المسار السياسي المحلي.

كذلك، لا يصح تصوير الاقتصاد باعتباره ظل بلا احتياطيات منذ يناير؛ فقد أُعيد بناء الاحتياطي الإجمالي لاحقًا، ووصل إلى نحو 44 مليار دولار في السنة المالية المنتهية في 2019. غير أن تقييم قوة هذه المصدات يحتاج النظر أيضًا إلى الالتزامات الخارجية ومواعيد سدادها ومصادر تكوين الاحتياطي.

هل صنع التاريخ الأزمة أم عجّل بانفجارها؟

تدعم الوقائع القول إن اضطرابات 2011 أحدثت صدمة كبيرة في موارد النقد الأجنبي والثقة والنشاط، وفاقمت اختلالات كانت قائمة قبلها. لكنها لا تدعم الجزم بأن كل التخفيضات اللاحقة كانت نتيجة إجبارية لذلك العام، أو أن الاقتراض والإنفاق وإدارة الصرف لم تكن لها بدائل مؤثرة.

وكان غياب هذه الصدمة قد يمنح الجنيه فرصة لمسار أفضل، خصوصًا في السنوات الأولى. أما الحفاظ على هذه الفرصة حتى 2026 فكان يتطلب بناء مصادر متجددة للنقد الأجنبي وضبط التضخم والدين، بدلًا من الاعتماد على رصيد احتياطي تاريخي وحده.

الدولار قرب 20 جنيهًا يظل نتيجة ممكنة داخل محاكاة مشروطة، وليس وعدًا أضاعه التاريخ بصورة يمكن إثباتها. وما تثبته التجربة بوضوح هو أن الاضطراب يستنزف القدرة على المناورة، بينما تحدد السياسات التالية كيف يتعافى الاقتصاد، وبأي تكلفة.

ملاحظة منهجية: يعرض التقرير سيناريو تاريخيًا افتراضيًا، ولا يقدم توقعًا لسعر الدولار المستقبلي أو تقديرًا سببيًا لصافي التكلفة الاقتصادية لأحداث 2011. ولا يجوز نسبة نطاقات المحاكاة إلى المؤسسات التي استُخدمت بياناتها التاريخية.

author avatar
بنكاوى
أول منصة رقمية متكاملة للتوعية المصرفية و مقارنة خدمات البنوك