Bankawy

أفهم .. قارن .. أختار .. سهلنا عليـك المشوار

Advertisement

خبيرة التحول الرقمي “مى حجازى” تكتب :الأنظمة الموروثة (Legacy) ليست عائقاً أمام الذكاء الاصطناعي..العائق هو انتظار “اللحظة المثالية”

في الكثير من النقاشات، تتردد جملة تعيق الابتكار أكثر مما تحميه: “يجب أن ننتهي من التحول الرقمي أولاً، ثم نلتفت للذكاء الاصطناعي”. وكأننا نقرر تأجيل تركيب محرك نفاث حتى ننتهي من طلاء هيكل الطائرة!
إن الاعتقاد بأن الأنظمة القديمة (Legacy Systems) تمثل عائقاً بنيوياً أمام الذكاء الاصطناعي هو طرح نظري لا يصمد أمام الواقع التقني للمؤسسات الكبرى.
الواقع التشغيلي بعيداً عن التنظير
الحقيقة التي نراها في بيئات الإنتاج الحقيقية هي أن كبرى المؤسسات المالية العالمية (Tier-1 Banks) لا تزال تعتمد في جوهر عملياتها على أنظمة “Mainframes” وتقنيات تعود لعقود. التميز التقني لهذه المؤسسات لم يأتِ من استبدال هذه الأنظمة بالكامل، بل من التعامل معها كـ “نواة استقرار”، وبناء طبقات ذكاء (Intelligence Layers) فوقها دون المساس بسلامة العمليات الأساسية.
كيف يتم الدمج عملياً؟ (فلسفة الفصل)
تقنياً، نحن لا نحتاج لاختراق قلب النظام القديم لإدخال الذكاء الاصطناعي. المنهجية المتبعة هي التحلل التدريجي (Strangler Pattern) عبر فصل المهام:
1. أنابيب البيانات (Data Pipelines): نقوم باستخراج البيانات من الأنظمة القديمة في الزمن الحقيقي عبر منصات مثل (Kafka) أو واجهات البرمجة (APIs)، وتغذية نماذج الذكاء الاصطناعي بها في بيئة سحابية أو منفصلة تماماً.
2. طبقة التكامل الذكية: يصبح النظام القديم مجرد “نظام سجلات” (System of Record)، بينما تتولى طبقة الذكاء الاصطناعي دور “نظام الإدراك” (System of Intelligence) الذي يحلل ويقرر ويوجه التجربة الرقمية.
لماذا يُعد الذكاء الاصطناعي منقذاً للأنظمة القديمة؟
بدلاً من كونه عبئاً، الذكاء الاصطناعي هو الأداة التي تمنح الأنظمة القديمة حياة جديدة:
• استنطاق البيانات المظلمة (Dark Data): تمتلك هذه الأنظمة ملايين السجلات التاريخية المهملة. الذكاء الاصطناعي هو القادر الوحيد على “التنقيب” فيها واستخراج أنماط سلوكية وتنبؤات ائتمانية ومخاطر كان يستحيل كشفها بالوسائل التقليدية.
• تحديث الكود (Code Modernization): نستخدم اليوم الذكاء الاصطناعي التوليدي لفهم وتوثيق الأكواد القديمة (مثل COBOL)، مما يسهل عملية تحويلها أو ربطها بالأنظمة الحديثة، وهذا بحد ذاته يسرع وتيرة التحول الرقمي.
النهج الاستراتيجي بدلاً من المشاريع العملاقة
الخطر الحقيقي ليس في قدم الأنظمة، بل في “نموذج التشغيل” الذي يربط كل ابتكار بمشاريع استبدال شاملة تستغرق سنوات وميزانيات ضخمة، وغالباً ما تتعثر في منتصف الطريق.
الذكاء الاصطناعي بطبيعته تراكمي (Incremental). القاعدة الذهبية هنا: ابدأ صغيراً، أثبت العائد على الاستثمار (ROI) فوق نظامك الحالي، واستخدم هذا العائد لتمويل مراحل التحديث اللاحقة.
الخلاصة
التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي مساران متوازيان، لا يسبق أحدهما الآخر. المؤسسات التي تنتظر “اكتمال الجاهزية” ستجد نفسها في مواجهة منافسين استغلوا عراقة بياناتهم التاريخية لبناء مستقبلهم، بينما هي لا تزال تراجع خرائط الطريق النظرية.